الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
426
مختصر الامثل
وأنّبهم لموقفهم هذا بقوله : « قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى » . وفي هذا المقطع القرآني ردّ آخر على أولئك المنافقين ، حيث بيّن أنّ الموت آتيهم يوماً لا محالة ، حتى إذا تحصنوا في قلاع عالية ومنيعة بحسب ظنّهم ، وما دام الموت يدرك الإنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر وصحيح كالجهاد ؟ ! يشير القرآن في هاتين الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين ، حين يوضح أنّ هؤلاء إذا أحرزوا نصراً أو غنموا خيراً قالوا : إنّ اللَّه هو الذي أنعم عليهم بذلك ، وزعموا أنّهم أهل لهذه النعمة : « وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ » . أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال ، ألقوا اللوم على النبي صلى الله عليه وآله وافتروا عليه بقولهم إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده ، متهمين خططه العسكرية بالضعف ، من ذلك ما حدث في غزوة أحد . تقول الآية : « وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِكَ » . إنّ القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكداً إنّ الإنسان المسلم الموحد الذي يؤمن صادقاً باللَّه ويعبده ولا يعبد سواه ، إنّما يعتقد بأنّ كل الوقائع والأحداث والإنتصارات والهزائم هي بيد اللَّه العليم الحكيم ، فاللَّه هو الذي يهب الإنسان ما يستحقه ويعطيه بحسب قيمته الوجودية ، وفي هذا المجال تقول الآية : « قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ » . والآية - هذه - تحمل في آخرها تقريعاً وتأنيباً للمنافقين الذين لا يتفكرون ولا يمعنون في حقائق الحياة المختلفة ، حيث تقول : « فَمَالِ هؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا » . وبعد هذا - في الآية التالية - يصرح القرآن بأنّ كل ما يصيب الإنسان من خيرات وفوائد وكل ما يواجهه الكائن البشري من سرور وإنتصار هو من عند اللَّه ، وإنّ ما يحصل للإنسان من سوء وضرر وهزيمة أو خسارة فهو بسبب الإنسان نفسه . تقول الآية : « مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ » . وتردّ الآية في آخرها على أولئك الذين كانوا يرون وجود النبي صلى الله عليه وآله سبباً لوقوع الحوادث المؤسفة فيما بينهم فتقول : « وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا » . وحين تنسب الآية الأولى الخير والشر كله للَّه ، فإنّ ذلك معناه أنّ مصادر القوة جميعها بيد اللَّه العليم القدير حتى تلك القوّة التي يساء استخدامها ، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشر للَّه ، لأنّه هو واهب القوى . والآية الثانية : تنسب « السيئات » إلى الناس إنطلاقاً من مفهوم « الجوانب السلبية » للقضية ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهية .